محمد رأفت سعيد
136
تاريخ نزول القرآن الكريم
بِالْخُنَّسِ ( 15 ) الْجَوارِ الْكُنَّسِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ( 18 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ( 21 ) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ( 22 ) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 29 ) . فالقسم الذي يؤكد به على المعنى الكبير من سلامة طريق الوحي بالنجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت ، وتكنس في وقت غروبها أي تتأخر عن البصر لخفائها فلا ترى ، والليل إذا عسعس أي : أدبر بظلامه ، أو أقبل بظلامه ، ويرى المبرد أنه من الأضداد والمعنيان يرجعان إلى شئ واحد وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره . والصبح إذا تنفس أي : امتد حتى يصير نهارا واضحا . والتذكير في هذا القسم بهذه الآيات الكونية لوضوح الفرق بينها وبين الظلمة والنور فهي آيات بينة ، ولا يختلط الأمر فيها على أحد . وكذلك الحال في المقسم عليه فجواب القسم إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) والرسول الكريم هنا هو جبريل حامل الوحي عن الله ، سبحانه فهو كريم على الله ووصف كذلك بصفتين مناسبتين للاطمئنان فهو ذو قوة ظاهرة ، فروى الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : من قوته قلعه مدائن قوم لوط بقوادم جناحه ، ومعنى القوة أي : لا يستطيع شيطان أن يسلب منه شيئا من وحى الله تعالى ، وهو كذلك ذو مكانة ومنزلة ومطاع في السماوات من الملائكة ، والصفة الأساسية كذلك في الاطمئنان على طريق الوحي الأمانة وهو أمين أي مؤتمن على الوحي الذي يجيء به ، وأما رسول الله محمد صلّى اللّه عليه وسلم فليس كما قال المشركون : بأنه مجنون حتى يتهم في قوله . كما أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم رأى جبريل في صورته التي خلق عليها بالأفق المبين ، فليس مجهولا عنده أو يختلط عليه الأمر فيه . فمع هذا الاطمئنان فإن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يبلغ إليكم ما يؤمر به فليس هو على الغيب ببخيل بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه ، فالقرآن وصل إذن إليكم بهذا الطريق المأمون . فليس بقول شيطان مرجوم ملعون - كما قالت قريش - فإلى أين تعدلون عن هذا القول وعن طاعته ؟ إن هو - أي القرآن الكريم - إلا ذكر للعالمين في الموعظة ، وفيه الهداية للتي هي أقوم لمن أراد اتباع الحق والإقامة